مقدمة: الخرافة التي سببت ارتباكًا لملايين المتدربين
إذا كنت قد دخلت إلى أي جيم أو تابعت محتوى اللياقة البدنية على الإنترنت خلال السنوات الماضية، فهناك احتمال كبير أنك سمعت شخصًا يقول:
"لا تجعل نبض قلبك يتجاوز 140 نبضة في الدقيقة، لأن جسمك سيتوقف عن حرق الدهون ويبدأ في حرق الكربوهيدرات فقط."
وقد تسمع شخصًا آخر يقول العكس تمامًا:
"ارفع نبض قلبك لأقصى درجة ممكنة، فكلما زادت الشدة زاد الحرق وخسرت دهونًا أكثر."
وبين هذين الرأيين يقف آلاف المتدربين في حيرة حقيقية. البعض يقضي ساعة كاملة على جهاز المشي وهو يراقب شاشة النبض وكأنها جهاز تحكم سحري في عملية حرق الدهون، بينما يتجنب آخرون الجري السريع خوفًا من فقدان العضلات أو التوقف عن حرق الدهون.
السؤال الحقيقي هنا ليس من منهما على حق بالكامل، بل لماذا توجد هذه الآراء المتناقضة أصلًا؟ وكيف يعمل الجسم فعليًا أثناء الجري؟
لفهم الإجابة علينا أولًا أن نبتعد قليلًا عن النصائح المختصرة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن ننظر إلى الطريقة التي ينتج بها الجسم الطاقة أثناء الحركة.
فالجسم البشري لا يمتلك زرًا سحريًا ينتقل عنده فجأة من الدهون إلى الكربوهيدرات بمجرد وصول نبض القلب إلى رقم معين. ما يحدث في الواقع أكثر تعقيدًا وأكثر إثارة للاهتمام في الوقت نفسه.
لفهم ذلك يجب أن نبدأ من الأساسيات.
لماذا يحتاج الجسم إلى الطاقة أصلًا أثناء الجري؟
كل خطوة تخطوها أثناء الجري تحتاج إلى طاقة.
كل انقباض عضلي يحدث في عضلات الساقين يحتاج إلى طاقة.
حتى عملية التنفس نفسها تحتاج إلى طاقة.
وعندما تبدأ في زيادة سرعة الجري فإن احتياجات الجسم من الطاقة ترتفع بشكل كبير.
لكن السؤال المهم هو:
من أين تأتي هذه الطاقة؟
الإجابة المختصرة هي أن الجسم يعتمد على جزيء يسمى ATP أو Adenosine Triphosphate.
يمكن اعتبار ATP العملة الرسمية للطاقة داخل جسم الإنسان.
بغض النظر عن نوع النشاط الذي تمارسه، فإن العضلات لا تستطيع استخدام الدهون أو الكربوهيدرات بشكل مباشر لإنتاج الحركة. بل يجب أولًا تحويل هذه المصادر إلى ATP حتى تستطيع الخلايا العضلية استخدامها.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الجسم يمتلك عدة أنظمة مختلفة لإنتاج ATP، وكل نظام يتميز بسرعة معينة وقدرة معينة على توفير الطاقة.
بعض الأنظمة سريعة جدًا لكنها تنفد بسرعة.
وبعضها أبطأ لكنها قادرة على العمل لفترات طويلة.
ولهذا السبب تختلف مصادر الطاقة المستخدمة أثناء المشي والجري الخفيف والجري السريع والسبرنت.
الخطأ الشائع الذي يقع فيه معظم الناس
الكثير من المتدربين يعتقدون أن الجسم يختار أحد مصدرين فقط:
- إما الدهون.
- أو الكربوهيدرات.
وكأن هناك مفتاحًا يتم تشغيله أو إيقافه.
لكن الواقع مختلف تمامًا.
الجسم يستخدم دائمًا خليطًا من مصادر الطاقة المختلفة في الوقت نفسه.
حتى أثناء الراحة أنت تحرق دهونًا وكربوهيدرات معًا.
وأثناء المشي تحرق دهونًا وكربوهيدرات معًا.
وأثناء الجري السريع أيضًا تحرق دهونًا وكربوهيدرات معًا.
الاختلاف الحقيقي لا يتعلق بوجود أو عدم وجود مصدر طاقة معين، بل يتعلق بالنسبة التي يساهم بها كل مصدر في إنتاج الطاقة المطلوبة.
وهذه نقطة جوهرية سنبني عليها كل ما يأتي لاحقًا في المقال.
فبدلًا من التفكير بطريقة:
"هل الجسم يحرق دهونًا أم كربوهيدرات؟"يجب أن نفكر بطريقة:
"ما النسبة التي تأتي من الدهون وما النسبة التي تأتي من الكربوهيدرات عند هذه الشدة؟"وهنا يبدأ فهمنا الحقيقي لموضوع نبض القلب.
كيف يتعامل الجسم مع بداية الجري؟
تخيل أنك تقف الآن
